قالت مجلة "هورن ريفيو"، إن الاتهامات الأخيرة بتلقي ميليشيات قبلية موالية للقوات المسلحة السودانية تدريبات عسكرية في إريتريا بعلم سلطات بورتسودان، لا تمثل سوى حدث عابر في المشهد المضطرب للصراع في السودان.
وحذر تحالف مدني يمثل شرق السودان من تزايد وجود الميليشيات القبلية المسلحة في المنطقة، مشيرًا إلى أن بعض الجماعات المسلحة تلقت تدريبات عسكرية في إريتريا بالتنسيق مع سلطات بورتسودان الموالية للقوات المسلحة السودانية بقيادة الجنرال عبدالفتاح البرهان.
اتهام مصر وإريتريا بدعم ميليشيات في شرق السودان
ووجه التقرير أصابع الاتهام إلى مصر وإريتريا بالوقوف وراء دعم ميليشيات شبه عسكرية في شرق السودان، وذلك لأسباب متباينة ولكنها متقاربة، في نظام سوداني موالٍ للقوات المسلحة السودانية. ويتمثل الأثر التراكمي لهذا الاستثمار، سواء أكان يشكل تنسيقًا عملياتيًا مباشرًا أم لا، في ممارسة ضغط احتواء موجه مباشرة نحو إثيوبيا.
وقال: لا يُعدّ السودان في هذا السياق مجرد ضحية سلبية للتدخل الخارجي، بل هو في الوقت نفسه مسرح رئيس لحرب أودت بحياة مئات الآلاف وشرّدت الملايين، وأداة تسعى من خلالها قوتان إقليميتان لتحقيق أهداف استراتيجية لا تمتّ بصلة تُذكر بالسيادة السودانية أو رفاهية المدنيين.
وتُحذّر مجتمعات شرق السودان، كالبجا والرشايدة المنضوية تحت لواء التحالفات المدنية من أن الجماعات المسلحة المرتبطة بالقوات المسلحة السودانية، والتي تلقت تدريبًا في الخارج، تنشط الآن داخل المنطقة، وأن تورطها في النزاعات المحلية سيزيد الأزمة تعقيدًا.
واعتبر التقرير أن هذا ليس مجرد استعراض سياسي، بل يعكس ضعفًا هيكليًا حقيقيًا: فالمنطقة، التي تعاني أصلاً من النزوح والتنافس على الموارد والتهميش السياسي من بورتسودان، تستوعب الآن البصمة العملياتية لشبكة وكلاء خارجية. وأي تسوية تتجاهل مجتمعات شرق السودان، كما أشار التحالف، ستؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار. ووجود الميليشيات يزيد من احتمالية حدوث ذلك بشكل كبير.
دور إريتريا
وسلط التقرير الضوء على دور إريتريا في هذا السياق، وهو الأكثر وضوحًا والأقل إثارة للدهشة. فقد كان أسياس أفورقي من بين أبرز الداعمين الخارجيين للقوات المسلحة السودانية منذ بدء الحرب في أبريل 2023. ومن السهل استنتاج دوافعه. فتعزيز قوات الدعم السريع في السودان من شأنه أن يضع قوة معادية وموالية للإمارات على الجناح الغربي لإريتريا، مما يُهدد العمق الاستراتيجي النسبي الذي حافظت عليه أسمرة منذ حرب تيجراي.
في المقابل، قالت "هوررن ريفيو" إن نظام بقيادة البرهان يتوافق مع المصالح الإريترية؛ فهو متوقع، ويعتمد عسكريًا على الدعم الخارجي، ومن غير المرجح أن يتبنى سياسات تُهدد مكانة أسمرة الإقليمية. كما أن تسهيل تدريب الميليشيات القبلية على الأراضي الإريترية يندرج ضمن نمط الاستثمار بالوكالة منخفض التكلفة، والذي يسمح لأسياس بتشكيل ساحة المعركة السودانية دون التزام عسكري رسمي. ويتماشى هذا أيضًا مع ثقافة إريتريا العملياتية الأوسع: فاستخدام القوة غير النظامية القابلة للإنكار كأداة للتأثير الهامشي يتسق مع سلوك أسمرة الموثق في مختلف مسارح القرن الأفريقي.
الدعم المصري
في المقابل، رأت المجلة أن صلة مصر بهذا البُعد من الصراع تتم على مستوى مختلف. فالدعم العسكري والمالي الذي تقدمه القاهرة للقوات المسلحة السودانية موثق جيدًا، والمصالح المصرية في الخرطوم، المتحالفة مع برهان، راسخة وطويلة الأمد.
وأشارت إلى أنه من الحقائق الثابتة أن المصالح الاستراتيجية المصرية والإريترية في السودان تتقارب حاليًا إلى درجة تجعل التنسيق الرسمي غير ضروري إلى حد كبير. فكلاهما يرغب في انتصار القوات المسلحة السودانية، وكلاهما يسعى إلى دولة سودانية، ذات توجه غربي في تحالفاتها الإقليمية، ومعادية لأي توسع للنفوذ الإثيوبي باتجاه البحر الأحمر.
وقالت إن نمط الدعم المصري والتسهيل الإريتري، مجتمعين، يشكل بنية احتواء ناشئة، تعمل كمشروع استراتيجي متماسك، بغض النظر عن التنسيق المباشر بين مكوناتها. ولأغراض التحليل، فإن التمييز بين الاستراتيجية المشتركة المقصودة والعمل المتوازي المتقارب هيكليًا أقل أهمية من الأثر التراكمي على أرض الواقع.
وأوضحت أن رد مصر لم يكن على انخفاض نفوذها هو التكيف بل التوازن الاستراتيجي.
دور مصر في القرن الإفريقي
على الجانب الشرقي من إثيوبيا، أدخل بروتوكول التعاون الدفاعي بين مصر والصومال في أغسطس 2024 القوات والمعدات العسكرية المصرية إلى الصومال، مما جعل القاهرة فاعلاً أمنيًا ذا أهمية متزايدة في القرن الأفريقي.
وعلى الجانب الشمالي لإثيوبيا، تكثفت العلاقات المصرية مع إريتريا ابتداءً من عام 2024 من خلال سلسلة من التبادلات العسكرية والدبلوماسية التي تركز على أمن البحر الأحمر والشؤون الإقليمية.
على الجانب الغربي من إثيوبيا، أدى تعميق علاقة مصر مع القوات المسلحة السودانية إلى توسيع نفوذ القاهرة داخل السودان، كما جعل السودان محورًا أساسيًا في البنية.
وفقًا للتقرير، فإنه "إذا نظرنا إلى كل علاقة من هذه العلاقات على حدة، فإنها تخدم أهدافًا محددة. أما إذا نظرنا إليها مجتمعة، فإنها تشكل شبكة إقليمية لها أثر عملي يتمثل في تقييد هامش المناورة الاستراتيجية لإثيوبيا والحد من المكاسب الجيوسياسية التي يمكن أن تنجم عن قدراتها الاقتصادية والبنيوية المتنامية. ويُعد السودان محور هذه الشبكة".
واعتبر أن "السؤال المحوري الذي تطرحه سياسة مصر تجاه السودان ليس ما إذا كانت لدى القاهرة مخاوف أمنية مشروعة، بل ما إذا كانت هذه المخاوف تُستغل بشكل متزايد من خلال استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على النفوذ ضمن نظام إقليمي تغير بفعل سد النهضة وصعود إثيوبيا. إذا كان الأمر كذلك، فإن السودان ينتقل من كونه مجرد أزمة مجاورة إلى ساحة رئيسية في الصراع على توزيع السلطة في القرن الأفريقي وحوض النيل".
https://hornreview.org/2026/06/19/egypt-eritrea-and-the-militarization-of-eastern-sudan/

